الشوكاني
245
فتح القدير
سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات ، ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة ، والآيات التكوينية ، والمعجزات : أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت . وقرأ مالك بن دينار " يروا " بضم الياء في الموضعين ، وجملة ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ) معطوفة على ما قبلها داخلة في حكمها ، وكذلك جملة ( وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) والمعنى : أنهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد تركوه وتجنبوه ، وإن رأوا سبيلا من سبل الغي سلكوه واختاروه لأنفسهم . قرأ أهل المدينة وأهل البصرة " الرشد " بضم الراء وإسكان الشين . وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بفتح الراء والشين . قال أبو عبيدة : فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال : الرشد الصلاح والرشد في الدين . قال النحاس : سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد كالسخط والسخط . قال الكسائي : والصحيح عن أبي عمرو وغيره ما قال أبو عبيدة . وأصل الرشد في اللغة : أن يظفر الإنسان بما يريد ، وهو ضد الخيبة ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى الصرف : أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو الإشارة إلى التكبر وعدم الإيمان بالآيات ، وتجنب سبيل الرشد ، وسلوك سبيل الغي ، واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره جملة ( بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها ، والموصول في ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ) مبتدأ . وخبره ( حبطت أعمالهم ) ، والمراد بلقاء الآخرة : لقاء الدار الآخرة : أي لقائهم لها أو لقائهم ما وعدوا به فيها على أن الإضافة إلى الظرف ، وحباط الله الأعمال بطلانها : أي بطلان ما عملوه مما صورته صورة الطاعة كالصدقة والصلة وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم ، ويحتمل أن يراد أنها تبطل بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير إسلامهم لما في الحديث الصحيح " أسلمت على ما أسلفت من خير " . ( هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) من الكفر بالله ، والتكذيب بآياته ، وتنكب سبيل الحق ، وسلوك سبيل الغي . وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال : لما كلم الله موسى قال : يا رب أهكذا كلامك ؟ قال : يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئا . وأخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به ؟ قال : يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : يا موسى صف لنا كلام الرحمن ، فقال : لا تستطيعونه ، ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل ، في أحلا حلاوة سمعتموه فذاك قريب منه وليس به " . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال : إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شئ . فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( قال رب أرني أنظر إليك ) يقول : أعطني أنظر إليك . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : لما سمع الكلام طمع في الرؤية . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : حين قال موسى لربه تبارك وتعالى ( رب أرني أنظر إليك ) قال الله : يا موسى إنك لن تراني ، قال يقول : ليس تراني ويكون ذلك أبدا ، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا ، قال موسى رب إني أراك ثم أموت أحب إلي من أن لا أراك ثم أحيا ، فقال الله لموسى : يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد ( فإن استقر مكانه ) يقول : فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمتي ( فسوف تراني ) أنت لضعفك وذلتك ، وإن الجبل انهد بقوته وشدته وعظمته فأنت أضعف وأذل . وأخرج أحمد وعبد